الشيخ محمد هادي معرفة
485
التفسير الأثرى الجامع
بالآخرين ، فلا يكون من جرّائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد ، ودوران المال في الأيدي على أوسع نطاق ، الأمر الّذي يعني : توزيع الثروة العادل ، فلا تتضخّم الثروات في أيدي الأغنياء ، ويظلّ الفقراء محرومين : كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ « 1 » ، أي تتداول الأموال على أيدي الأثرياء فحسب ، فتتزايد وتتضخّم ثرواتهم في أحجام هائلة . وهم القلّة من أفراد المجتمع ، ويبقى الفقراء ، وهم الأكثريّة البالغة ، مدقعين ؛ قد أدقع بهم الفقر وأذاقهم الأمرّين من متع الحياة ! ! هذا ما كانت عليه الجاهليّة الأولى ، تتشكّل مجتمعاتهم من طبقتين : طبقة راقية موسّع عليهم وفي رفاه بالغ ، وهم القلّة القليلة ، تائهون في نشواتهم ونزقاتهم ، ولا يهمّهم شيء سوى استثمار المعوزين ، مستغلّين فرصة افتقارهم وحاجتهم بالذات ، لا رحمة ولا انصاف . وهؤلاء الفقراء المعوزون هم الكثرة الكثيرة الّذين يشكّلون الطبقة الأخرى ، الكبيرة حجما ، الحقيرة وضعا وحالا . جاء الإسلام ليكافح هذه الطّبقيّة الغاشمة الجائرة إلى حدّ بعيد . كما وكتب عليهم الطهارة في النيّة والعمل ، والنظافة في الوسيلة والغاية ، وفرض عليهم قيودا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلا تؤذي ضمير الفرد وخلقه ، أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها . . . « 2 » . والإسلام ، أقام هذا النظام العادل على أساس التصوّر الممثّل لحقيقة الواقع في الوجود ، وعلى أساس عهد الاستخلاف الّذي يحكم كلّ تصرّفات الإنسان المستخلف ، في هذا الملك العريض . ومن ثمّ فإنّ الربا - في حقيقته - عمليّة تصطدم مع قواعد التصوّر الإيماني إطلاقا ، لأنّه يصطدم مع النظام في صميم كيانه المبتني على أساس « توزيع الثروة العادل » دون تضخّمها في جانب ، وضئالتها بل ضحالتها في جانب آخر . وكذلك يصطدم مع أصل السواسيّة في الانتفاع بمباهج الطبيعة ومعطياتها لكلّ عايش في ظلّ رحمتها ، كلّ حسب استعداده وطاقاته ، والمساعي الّتي يبذلها في سبيل التمتّع بلذائذ الحياة . وكذلك يصطدم مع قانون التعاضد والتعاون والتكافل الاجتماعي ، الحاكم على جميع أنظمة
--> ( 1 ) الحشر 59 : 7 . ( 2 ) يراجع : فصل « سياسة الإسلام » في كتاب « العدالة الاجتماعيّة في الإسلام » لمحمّد قطب . ( في ظلال القرآن 1 : 466 - 475 ) .